فخر الدين الرازي
440
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
على ما وراء هذه الصورة ، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية ، وذلك لأن عند الشافعي رحمه اللَّه : يسكت الإمام ، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان ، فاغتنم القراءة في أيهما شئت ، وهذا السؤال أورده الواحدي في « البسيط » . ولقائل أن يقول : سكوت الإمام إما أن نقول : إنه من الواجبات أوليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت . فبتقدير : أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام ، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع ، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام ، وذلك على خلاف النص ، وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضاً فالإمام إنما يبقى ساكتاً ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الإمام مأموماً ، والمأموم إماماً ، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك غير جائز ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز ، وذكر الواحدي سؤالًا ثانياً على التمسك بالآية . فقال : إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتاً ، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً . ولقائل أن يقول : إنه تعالى أمره أولًا بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع ، لأن السماع غير ، والاستماع غير ، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل ، قال تعالى لموسى عليه السلام : وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى [ طه : 13 ] والمراد ما ذكرناه ، وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة . السؤال الثالث : وهو المعتمد أن نقول : الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن / بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام ، إلا أن قوله عليه الصلاة والسلام : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » و قوله : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » أخص من ذلك العموم ، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا الخبر ، وهذا السؤال حسن . والسؤال الرابع : أن نقول : مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية ، عملًا بمقتضى هذا النص ، ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية ، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة ، وهذا أيضاً سؤال حسن ، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطاباً مع المسلمين ، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن اللَّه تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها ، فأمر اللَّه رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي ، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي ، ثم بين تعالى أن النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة ، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر اللَّه تعالى عن هذا المعنى بقوله : هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الأعراف : 203 ] فلو قلنا إن قوله تعالى : وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه